في هذه الأيّامِ أضاعفُ دعواتي بأنْ يشرحَ الله صُدور طُلابنا وطالباتنا ويُيسّر أمرهم ويحلُل عُقدةً من ألسنتهم ، فاللهم افتحْ عليهم فواتيحَ رحمتك وعلْمك وقُدرتك وسهّل أمورهم يارب .
حينَ أتجوّلُ في الأماكنِ العامة والمُنتزهات وخاصةً مثلَ هذه الأيّام أجدُ أنّها خلتْ تمامًا من مُرتاديها حتّى باتتُ مثلَ بيتٍ خرِب ، حينها انتابني شُعورٌ غريبٌ من الوَحدةِ والضّيق وبدأتُ أعيشُ أمنيتيْن رُبّما تُخفّفُ عنّي عبءَ هذا الإحساس وهو إما إبادةُ هذا الكائن المُسمّى بالامتحان أو أن تقتسمَ معهم هذه اللحظاتِ التي كنتُ أمقُتها طيلةَ فترةِ دراستي كنوعٍ من الموت الجماعيّ الرّحيم :6s: ، وإنه من الغرابةِ بمكان أن أتمنى أمنيةً كهذه وأنا الذي أُصعّرُ خدّي دوْمًا عنْ كلّ شيءٍ يتعلّق بِها ، لا أكترثُ أبدًا بها ولا أُعيرها أي اهتمامٍ ، أحاولُ الخروجَ من حُجرتها الضيّقة التي تخنقني إلى شارعٍ فسيح ، وفي مُنتصفِ الطّريق أتذكّر وصيّة والدتي فأعودُ أدراجي سريعًا .
حقا لقد أصبح هذا العالم صغيرا، وصار بإمكان الأحلام المستحيلة أن تتحقق ، نمسك أطراف الأماني ونلفها حول أصابعنا حتى لا تطير وتذهب بعيدا .
هذا اليوم تحديدا سيكون عيدًا لشرفتي ووحده " محمد حسن علوان " من شرع لها هذا العيد وجعله لها موعدا لن تُخلَفه ، اليوم زار شرفتي من لامس سقف الكفاية وأشرف على موت صوفيا وقلدني طوق الطهارة ، أتى علوان بعد أن كسر حاجز الحلم وترك أثرًا جميلًا لا يُنسى .
كنتُ على عتبةِ الثلاثين قبلَ فترةً ، ولم أطرقْ بابهَا إلا في السابع والعشرين من أكتوبر المنصرم ، أشعرُ بأن الثلاثينَ وما يليها حقبةٌ زمنيّة جديدة لا تُشبهُ سابقاتها أبدا وكأن الأشياءَ بداخلي بدأت تستعيدُ توازنها الذي فقدَتْهُ منذُ سنّ المراهقة ، كلّ شيءٍ من حولي بدأ يأخذُ طابعًا جدّيًّا غريبا ، ورتيبًا أحيانا ، صار قُطر دائرتي يتّسعُ تبعًا لفوضى أحلامي .
أفقتُ صباح هذا اليوم على وقعِ أكثر من رسالة الكترونيّة تهنئني بعيد ميلادي !
تساءلتُ وقتها هل أصبحت التقنيةُ أكثرَ وفاءً من البشر ؟! وليس في هذه النقطة فحسب ، فهناك المواعيد التي يتذكرها هاتفك الجوال بعد تدوينها فيه ، هُناك ساعة المُنبه التي تتكفلُ بإيقاظك كلّ صباح ، بينما لو أوكلتَ تلك المهام على جنسِ بشر لعجزَ عن أدائها ، ونحن إن سلّمنا بتفوّق التقنية في هذه الأمور فإننا لا يُمكن أبدا أن نجعلها بديلاً دائمًا ، فحينَ تسوقُ المواقع الكترونيّة تهانيها بمناسبةٍ ما فإنها تكون باهتةً جدّا ومُعلّبةً مُسبقًا لا تحملُ في جوفِها رائحةَ الفرح ولا ذلك الكمّ الهائل من الإنسانيّة الجميلة ولا الشعور ، تماما كالفرق بين أن تتردّد على خدّك يدٌ حنونة لتوقظك كلّ صباح وبينَ صوتِ المنبّه المُزعج .
الكتابة بالنسبة لي مخرجٌ قريبٌ جدّا من اللحظاتِ الضيّقة التي أمرّ بها ، أحبّ الهدوءَ التّام لدرجةِ أن صريرَ الباب وحده كافٍ للقضاءِ على مشروع نصّ كامل ، لا أعمدُ إلى التأليف إلا إذا احتاجَت مفاصلُ النصّ ليتقوى به فقط ، أؤمن جدّا بأن الكتابةَ من واقعِ تجربةٍ أبلغُ وأصدقُ وأشدّ نزاهةً وبياضًا من الكتابةِ التي نصنعُها والتي تُشبهُ الولادة المُتعسّرة .
أحيانًا يستيقظُ قلمي عندَ الفراغِ من قراءةِ روايةٍ أو جزءٍ منْها ، أشعرُ بأنها لامستْ شيئًا ما بداخلي فتندلقُ تلك الأحاسيس بسرعةِ البرق ، لازلتُ أذكر قصيدة ” ربّاه ” والتي كتبتُها بعدَ الفراغِ من قراءةِ الفصلِ السادس من رواية ” سقف الكفاية ” في أقل من خمس دقائق لكنّني في نفس الوقتِ أعجزُ عن نظمِ بيتٍ واحدٍ فيما لو طُلب منّي ذلك .
في أغلبِ نصوصي ألجأُ إلى الكتابة على الورق الأبيض ، أشعرُ بأنه يفهمني كثيرًا ويُشاركني اللحظةَ بعكسِ المفكرة الالكترونية .
سأبوحُ لكم بسرّ /
بين يديّ مشروع رواية ولا أعلمُ إن كنتُ سأُكملها أم لا ، أشعرُ بأنها حقلُ ألغامٍ يُمكن أن يفجرَ في أي لحظةٍ أفكّر بالمرور فوقَها ، تُلامسني كثيرًا وتلتصقُ بي أحداثُها ، أحيانًا أهربُ منها بتشتيتِ نصوصها في متصفحات متفرقة أملاً في نسيانها وأحيانًا تأخذني الشجاعةُ حتى أصلَ إلى الصفحةِ رقم 95 فأرتطمَ بآخر سطرٍ ثم أطويها وأرحل .
* الجفاف
هيَ لحظاتٌ بالكادِ يعيشُها أيّ كاتب ، والكتابة في الأصلِ تُشبهُ الشجرةَ إنْ نحنُ بالغنا في الاهتمامِ بها ورعايته وسقائها فستمنحنا أطيبَ الثمر ، وبالنسبةِ لي أقوم بمنحِ روحي إجازةً قصيرةً تستعيدُ فيها قواها ، ثم أقرأُ ماتيسّر من الكُتب المرصوصة في جوفِ أدراجي .
القراءةُ تهبُنا ذخيرةً جيّدةً من المعارفِ والمُفردات ، لا تُساعدنا فقط على الاكتساب بل خلقُ فينا الإبداعَ بعيدًا عنِ التكرار .
في السادس من رمضان طرقت باب جسدي حُمّى غريبة ، لأول مرّةٍ أشعُر بهذا الكمّ الهائل منَ التّعب ، حرارة مُرتفعة وضعفٌ عام مع رشحٍ طفيف ، ورأسي تحوّل إلى شيءٍ ثقيلٍ جدّا ، بدأت الحُمّى منذُ الصّباح الباكر بعدَ أن قرأتُ الوِردَ اليوميّ من القرآن الكريم ، كانت كلّ الدلائل على وجْهي تُشيرُ إلى أنّ ضيفًا غيرَ مرغوبٍ فيه سوفّ يحلّ قريبًا ، أكملتُ صومَ ذلك اليومِ بمشّقة ولم أتمكن من الإفطار جيّدا بسبب الشعور بفقدان الشهيّة الذي رافقني طيلة فترة المرَض ، تناولتُ قُرصًا مُضادًا كنتُ قد اشتريتهُ مُسبقا بسبب وعكةٍ صحيّة ، هذا القرصُ أدخلني في نومٍ عميق ولم أستيقظ إلا منتصفَ الليل وعندما استيقظتُ كانت الحرارةُ مُرتفعةً والعرقُ يتصبّبُ بكثرة والأشياء من حولي تبدو غريبة ، ثمةَ طعمٌ على لساني لا أستسيغه أبدا ، وحُنجرتي جافّةٌ مثلَ مضمارٍ صحْراويّ ، الأضواءُ الخافتةُ في كلّ مكانٍ تُزعجُ عينيّ ، مضيتُ أمشي بتثاقلٍ رهيب في أرجاء الغُرفة ، شعُرتُ أن هذه الحالةَ تحتاجُ إلى مُراجعةِ الطّبيب ، أنا الذي لا أُطيقُ رائحةَ المُستشفيات ولا ألجأ إليها إلا ماندَر لكنّ الضجّة التي تُدار في أرجاء العالم بسبب الوباء المُسمّى بـ انفلونزا الخنازير أحدثتْ بداخلي بعضَ الفوْضى والقَلق مما جعلني أبحث عن رقم بندر ، توأمي بلا فوارقَ في السنّ ، نتشابهُ كثيرا في كل شيء إلى أنْ تجاوزنا المرحلة الثانويةَ فاختار تخصص الطبّ البشري واكتفيتُ أنا باللغة العربية وآدابها ، سخّر جُهده ووقته في دراسته ولا يرضى بغيرِ الترتيبِ الأول نجاحًا ، أربعُ سنواتٍ مضت ونحن نتسابق في حرم جامعاتنا العتيقة ، تخرجتُ في الوقتِ الذي مازال هو يُواصل قفزاته في ميدان تخصصه ، كان لابد أن يُكملَ عِقد دراسته ذا السبعةِ أعوام ويتخرّجَ طبيبا يُتقنُ المُواساة ، في تلكَ اللحظةِ فقط كُسر حاجزُ التوأمة وصار يكبُرني بثلاث سنوات علميّة ، سألته ذاتَ مرّة ما إذا كان يرغبُ في الاستقرار على مهنةِ الطبيب العام أو الاتجاه لتخصص معين فأجاب بأنه يعشقُ الجِراحة برغمِ لونِ الدّم وحِدةِ المشارط وحساسيةِ المصير .