في السادس من رمضان طرقت باب جسدي حُمّى غريبة ، لأول مرّةٍ أشعُر بهذا الكمّ الهائل منَ التّعب ، حرارة مُرتفعة وضعفٌ عام مع رشحٍ طفيف ، ورأسي تحوّل إلى شيءٍ ثقيلٍ جدّا ، بدأت الحُمّى منذُ الصّباح الباكر بعدَ أن قرأتُ الوِردَ اليوميّ من القرآن الكريم ، كانت كلّ الدلائل على وجْهي تُشيرُ إلى أنّ ضيفًا غيرَ مرغوبٍ فيه سوفّ يحلّ قريبًا ، أكملتُ صومَ ذلك اليومِ بمشّقة ولم أتمكن من الإفطار جيّدا بسبب الشعور بفقدان الشهيّة الذي رافقني طيلة فترة المرَض ، تناولتُ قُرصًا مُضادًا كنتُ قد اشتريتهُ مُسبقا بسبب وعكةٍ صحيّة ، هذا القرصُ أدخلني في نومٍ عميق ولم أستيقظ إلا منتصفَ الليل وعندما استيقظتُ كانت الحرارةُ مُرتفعةً والعرقُ يتصبّبُ بكثرة والأشياء من حولي تبدو غريبة ، ثمةَ طعمٌ على لساني لا أستسيغه أبدا ، وحُنجرتي جافّةٌ مثلَ مضمارٍ صحْراويّ ، الأضواءُ الخافتةُ في كلّ مكانٍ تُزعجُ عينيّ ، مضيتُ أمشي بتثاقلٍ رهيب في أرجاء الغُرفة ، شعُرتُ أن هذه الحالةَ تحتاجُ إلى مُراجعةِ الطّبيب ، أنا الذي لا أُطيقُ رائحةَ المُستشفيات ولا ألجأ إليها إلا ماندَر لكنّ الضجّة التي تُدار في أرجاء العالم بسبب الوباء المُسمّى بـ انفلونزا الخنازير أحدثتْ بداخلي بعضَ الفوْضى والقَلق مما جعلني أبحث عن رقم بندر ، توأمي بلا فوارقَ في السنّ ، نتشابهُ كثيرا في كل شيء إلى أنْ تجاوزنا المرحلة الثانويةَ فاختار تخصص الطبّ البشري واكتفيتُ أنا باللغة العربية وآدابها ، سخّر جُهده ووقته في دراسته ولا يرضى بغيرِ الترتيبِ الأول نجاحًا ، أربعُ سنواتٍ مضت ونحن نتسابق في حرم جامعاتنا العتيقة ، تخرجتُ في الوقتِ الذي مازال هو يُواصل قفزاته في ميدان تخصصه ، كان لابد أن يُكملَ عِقد دراسته ذا السبعةِ أعوام ويتخرّجَ طبيبا يُتقنُ المُواساة ، في تلكَ اللحظةِ فقط كُسر حاجزُ التوأمة وصار يكبُرني بثلاث سنوات علميّة ، سألته ذاتَ مرّة ما إذا كان يرغبُ في الاستقرار على مهنةِ الطبيب العام أو الاتجاه لتخصص معين فأجاب بأنه يعشقُ الجِراحة برغمِ لونِ الدّم وحِدةِ المشارط وحساسيةِ المصير .
محاولةٌ لطرقِ بابِ نوعٍ جديد منَ الكتابَة .. ورُبّما تبْدو مُجازفة
وقدْ يطولُ نفسُها قليلاً فافسحُوا لها في الصّدور يفسحِ الله لكم .
ستفضحُني هذه القصّةُ فدثّروني : )
- ألو
- نعم !
- لا تقلق .. فلستُ من إحداهنّ
- أهلاً سيّدتي
- سيّدتي ! كيف عرفتَ أنّي مُتزوّجة ؟
- تبدو النساءُ أكثر اتزانًا بعدَ الزّواج
لا عليكِ مُجرّد حدس ، هل منْ خدمةٍ أسديها لك ؟
- نعم، أحببت أن أعرفَ منكَ موعدَ نشرِ المقالِ القادم
- بنهاية الأسبوعِ الجاري بإذن الله .
- شُكرا محمد .. مع السّلامة .
والساعةُ تسيرُ بعقاربِها إلى شطْرِ الليلِ الأخير ، وكنتُ قدْ رتّبتُ
مذكّراتي وأوراقي إرهاصًا للنوم ، أنا الذي لا أهتمُّ كثيرًا بالأرقامِ
القادمةِ من البعيد ، ولا أعلمُ لم أجبتُ على تلك المُكالمة التي كانت
تنتظرني في الصّباحِ بكوبِ فجيعة ، رُبّما لم أكنْ أُدركُ أن المُكالماتِ القصيرةِ
قدْ تُغيّرُ مصير حياة ، مسيرةَ أمل ، ملامحَ قدَرْ .
لقطاتٌ من شُرفةِ الغيمِ لعروسِها أبها ، مدينة الحلم " أبها " تلك العروس التي تقبع فوق قمة الجنوب في نقطةٍ تلتقي فيها الأرض بالسماء ، تلك المدينة لا ترضى بغير الغيم أنيسا ، تحيك من خيوط الضباب ظفائر المطر ، وتسكُب قطراتِ الندى لحنا يستقي الوتر ، حباها الرب جلّ في علاه طعما ولونا ورائحة وكأنها تطلّ على شرفةٍ من شُرفات الجنة ، حين تتأمل ما حولها من السحاب تشعر وكأن الجاذبية انتقلت من الأرض إلى الغيوم .